الشيخ حسن المصطفوي
190
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
كناية عن تغبّر الوجه للغمّ . والتحقيق أنّ الأصل الواحد في المادّة : هو ما يبقى ويمكث من جملة ، أثرا منها أو جزءا ، وإن شئت قل - ما يتخلَّف ويمضى من جملة شيء . وبهذا الاعتبار يعبّر عن الأصل بالبقاء أو المضىّ أو المكث . فظهر الفرق بينها وبين المفاهيم المطلقة من البقاء والمضىّ والمكث والتخلَّف . فلا بدّ من وجود القيدين : التخلَّف وكونه من جملة . وأمّا اللون المخصوص : فهو بلحاظ الغبار والغبرة بمعنى ما يتخلَّف من ثوران التراب وهيجانه ، ويطلق على لونه تجوّزا الأغبر . وبهذا الاعتبار أيضا تطلق الغبراء على الأرض ، أي ما يتّصف بكونه ذا غبار أو هو على لون أغبر ، فهذا الإطلاق أيضا يكون تجوّزا . * ( فَأَنْجَيْناه ُ وَأَهْلَه ُ إِلَّا امْرَأَتَه ُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ ) * - 7 / 83 . * ( فَنَجَّيْناه ُ وَأَهْلَه ُ أَجْمَعِينَ إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ ) * - 26 / 171 . * ( فَأَنْجَيْناه ُ وَأَهْلَه ُ إِلَّا امْرَأَتَه ُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ ) * - 27 / 58 . * ( وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ ) * - 29 / 33 يراد امرأة لوط النبىّ ، وكانت متخلَّفة عن النبىّ لوط بقلبه وعمله ، متمائلة إلى مخالفيه . وعلى هذا قد عبّر في هذه الآيات الكريمة عنها بالامرأة والعجوز لا بالزوجة الدالَّة على الزوجيّة والتماثل ، كما في - . * ( اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ) * . والتعبير بالعجوز : لقصوره وتقصيره في الوصول إلى الحقّ . * ( وَوُجُوه ٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ) * - 80 / 40 الغبرة : بفتحتين ، ما يتخلَّف ويبقى من جملة شيء منبسطة ، والانبساط يستفاد من الفتحتين ، والمراد ما يتخلَّف من آثار التعلَّق بالدنيا والمادّة ، على النفس بعد مفارقة الحياة الدنيا .